المنهج الدراسى بمراكز الحياة الكنسية لعام 1724ش
المحور
الثانى ـ الطقس
الموضوع
الرابع
الإحتفال بأعياد القديسين
إعداد القس يوحنا ميشيل - كاهن كنيسة السيدة العذراء مريم بمسرة

أولاً : الأساس الكتابى : الشفاعة وصداقة القديسين

  مقدمة عامة :

+ الشفاعة :
حتى خمسة قرون خلت لم تكن هناك قضية بالنسبة لشفاعة القديسين - صلواتهم وطلباتهم وتوسُّلاتهم من أجل المؤمنين - ولم يكن بينها تناقُض وبين شفاعة المسيح الفريدة. وكان مفهوماً حدود الدور الذي رسمته لهم إرادة الله ونعمته، كأعضاء أحياء ضمن الكنيسة المنتصرة أو كرفاق للمؤمنين في الكنيسة المجاهدة، تؤيِّده أحداث الكتاب المقدس ووصاياه على مدى العصور.

ولم تتحوَّل شفاعة القديسين إلى قضية جدلية لا داعي لها إلاَّ في القرون المتأخِّرة عندما غالى البعض (كنيسة روما) في قيمة دورهم ، الأمر الذي رآه غيرهم (البروتستانت) تجاوزاً، ومَن ثمَّ استبعدوه كلِّيةً إذ رأوا فيه انتقاصاً من عمل المسيح الكفَّاري - رغم مجافاة هذا الفكر لروح الكتاب - فحرموا أنفسهم ومن تبعهم دون مبرر من معونة أتاحتها نعمة الله. وبمُضيّ السنين بدأ التخلِّي عن كثير من أُسس الحياة الكنسية وعقائدها وتقاليدها. وطال التغيير شكل الكنيسة نفسها، فتجرَّدت من هيكلها ومذبحها وصور شهدائها وقديسيها. وهكذا استُبعِد الجيد مع الرديء، وعانى جسد المسيح جراحاً جديدة، وتضاعفت المصاعب أمام وحدة الكنيسة.

+ مقدمة لُغوية لكلمة الشفاعة :
المعنى الحرفي للشفاعة Intercession: هو الوساطة والتدخُّل لحساب مَن يحتاج لدى مَن يملك الحاجة

ويُقابلها في اللغة اليونانية عدد من الكلمات مثل: باراكليتوس وباراكليتون Paraklhton (باراقليط)، وتعني وسيط mediator، شفيع، محامٍ، محاجّ، معزٍّ (أي 16: 2؛ يو 14: 26،16؛ 15: 26؛ 16: 7؛ رو 8: 34،27،26؛ عب 7: 25؛ 1يو 2: 1)؛
وإنتينخاني (باليونانية)
Enthgxanei بمعنى يتوسل، يتضرَّع، يلتمس، يستغيث (دا6: 13،12؛ أع25: 24؛ رو11: 2؛ 1تي1:2؛ يع5: 16).

وفي الكلمات اليونانية والقبطية:
- برسفيا
~precbi~a وهي يونانية بمعنى شفاعة أو سفارة (لو 14: 32؛ 19: 14)
- إفكي (إفشي
euxh) باليونانية أو إشليل ~}lhl بالقبطية، بمعنى صلاة
- بروستاتيس
~proctathc واستُعملت في الكتاب المقدس للمؤنث بمعنى مُعينة (مثل فيبي - رو 16: 2،1)

+ شهادة كلمة الله :
1. صلُّوا بعضكم لأجل بعض:

إن طبيعة الكنيسة كجسد المسيح، هو فيه الرأس، الذي يلتحم به أعضاء الكنيسة على الأرض وفي السماء، الذين في محبتهم يهتمون ببعضهم اهتماماً واحداً (1كو 12: 25)، وفي اسم المسيح يُقدِّمون طلباتهم من أجل أنفسهم ومن أجل الآخرين.

إن الكتاب نفسه يحثُّنا أن نصلي بعضنا لأجل بعض (يع 5: 16)، وحتى من أجل أعدائنا الذين يُسيئون إلينا (مت 5: 44) كي يغفر الله لهم ويُغيِّر نهج حياتهم.

والقديس بولس، كما يذكر الآخرين في صلواته بلا انقطاع (رو 1: 9؛ 2كو 13: 7؛ أف 1: 16؛ 3: 14-19؛ في 1: 4،3؛ كو 1: 3، 9-12؛ 1تس 1: 2؛ 3: 10؛ 2تس 1: 11؛ 2تي 1: 3، فل 4)، هو يطلب «أن تُقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكُّرات لأجل جميع الناس» (1تي 2: 2،1)؛ بل إنه يطلب الصلاة من أجله (رو 15: 30؛ 2كو 1: 11؛ 1تس 5: 25؛ فل 22؛ عب 13: 18) ومن أجل خدمته: «مُصلِّين بكل صلاة وطلبة... لأجل جميع القديسين ولأجلي لكي يُعطَى لي كلام عند افتتاح فمي» (أف 6: 19،18).

وعندما أُلقي القديس بطرس في السجن، صعدت من الكنيسة «صلاة بلجاجة إلى الله من أجله» (أع 12: 5)

وفي إرسالية برنابا وشاول صامت الكنيسة وصلَّت من أجلهما (أع 13: 3).

ومُعلِّمنا يعقوب يطلب الصلاة من أجل المرضى «وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يُقيمه، وإن كان قد فعل خطية تُغفر له» (يع 5: 15).

وكما كان - ها هو كائن - فالكنيسة في صلواتها اليوم تطلب من أجل سلامها، ومن أجل خُدَّامها، ومن أجل خلاص العالم، ومن أجل المرضى والمسافرين والمعوزين؛ بل هي تُصلِّي أيضاً من أجل الطبيعة: أهويةً ومياهاً وعُشباً وزرعاً وثماراً وحيواناً؛ كما تُصلِّي من أجل كل مَن له تعب في خدمة الله بكل نوع؛ وتذكر الراقدين والقديسين كما تطلب صلواتهم. وشماس الهيكل في ختام صلوات القداس يُنادي الشعب: ”اطلبوا عنا وعن كل المسيحيين الذين سألونا أن نذكرهم في بيت الرب“.

شفاعتنا بعضنا لأجل بعض هي استجابة لصوت الإنجيل. وإذا كان الرسل وهم تحت الآلام يطلبون صلوات الكنيسة عنهم، فليس غريباً أن نطلب صلواتهم - أي شفاعتهم - وهم في المجد.

2. الله يُكرم قديسيه:

- كلمات الكتاب تشهد بإكرام الله لقديسيه: «أُكرم الذين يكرمونني، والذين يحتقرونني يصغرون» (1صم 2: 30)؛ «إن كان أحد يخدمني، يكرمه الآب» (يو12: 26)؛ «الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني» (لو10: 16)؛ «ذِكْر الصدِّيق للبركة» (أم 10: 7)؛ «الصدِّيق يكون لذكْرٍ أبدي» (مز112: 6) «اذكروا مرشديكم الذين كلَّموكم بكلمة الله انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثَّلوا بإيمانهم» (عب13: 7)

- والكتاب يصف الأبرار أنهم «يضيئون كضياء الجَلَد، والذين ردُّوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور» (دا 12: 3)، ويضيئون «كالشمس في ملكوت أبيهم» (مت13: 43) «وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم» (عب11: 38) «طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها» (يع5: 16-18)

- بل إن الله نسب نفسه إلى قديسيه قائلاً: «أنا إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب» (خر 3: 16،15،6؛ 4: 5؛ مت 22: 32؛ مر 12: 26؛ لو 20: 37؛ أع 7: 32) وتعاهَدَ معهم، ومن هنا كان الآباء والأنبياء يتشفعون بهم لكي يتحنن الله عليهم (تك 32: 9-11؛ خر 32: 11-13؛ تث 9: 27،26؛ 1مل 8: 22-26؛ 1مل 18: 36-38؛ 2مل 13: 23،22؛ 1أخ 29: 10-18؛ 2أخ 6: 42).

- وقد وبَّخ الله هارون ومريم لمَّا تقوَّلا على موسى قائلاً عنه: «هو أمين في كل بيتي، فماً إلى فم وعياناً أتكلَّم معه» (عد 12: 8،7)

- ومن أجل قديسيه كان الله يفيض ببركاته ويتحنن بغير طلب أو حتى بعد انتقالهم من العالم:
  +  الله «ذَكَرَ إبراهيم» (تك 19: 29)، وأنقذ لوطاً من وسط الهلاك الذي عوقبت به سدوم وعمورة.
  +  والرب بارك بيت فوطيفار بسبب يوسف: «وكانت بركة الرب على كل ما كان له في البيت وفي الحقل» (تك 39: 5).
  +  وبسبب خطية سليمان حَكَمَ الله بتمزيق مملكته، ولكنه من أجل داود - الذي توسَّل به سليمان إلى الله (مز 132: 10) - لم يفعل ذلك في أيامه «بل من يد ابنك أُمزِّقها... بل أُعطي سبطاً واحداً لابنك لأجل داود عبدي...» (1مل 11: 11-13)، ويكرر عهده هذا مع يربعام (1مل 11: 31-36). ومن أجل داود أيضاً لم ينزع الرب مُلْك يهوذا من أبيام حفيد أبشالوم (1مل 15: 1-5) ويهورام بن يهوشافاط (2مل 8: 19)، وأنقذ أورشليم من ملك أشور (2مل 19: 32-34).
  +  كما وعد تلاميذه قبل أيام من صليبه: «أنتم الذين تبعتموني، في التجديد، متى جلس ابن الإنسان على كُرسيِّ مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثني عشر كرسيّاً تدينون أسباط إسرائيل الاثني عشر» (مت 19: 28). بل إن أسماء الرسل ستكون مكتوبة على أساسات سور أورشليم الجديدة النازلة من السماء (رؤ 21: 14).

سحابة الشهود:
"لِذَلِكَ نَحْنُ أَيْضاً إِذْ لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا، لِنَطْرَحْ كُلَّ ثِقْلٍ وَالْخَطِيَّةَ الْمُحِيطَةَ بِنَا بِسُهُولَةٍ، وَلْنُحَاضِرْ بِالصَّبْرِ فِي الْجِهَادِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا" (عب12: 1)
والكنيسة تُقدِّم القديسين نماذج للمنتصرين، تحتفي بهم وتُعرِّف المؤمنين بجهادهم لتُشدِّدهم في مسيرتهم، وهي تكرِّمهم كما تكرِّم الدولة شهداء الدفاع عن سلامتها.
هؤلاء الذين كانوا مع الرب وكلَّمونا بكلمة الحياة، وشهدوا بحياتهم وموتهم لإيمانهم وحبهم للملك المسيح، فصاروا لنا قدوة، كما يبقون إلى النهاية سنداً وعوناً للمجاهدين إلى أن يستوطنوا عند الرب وينضموا إلى صفوفهم.

أهل بيت الله:
"فَلَسْتُمْ إِذاً بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً ، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" (اف  2 :  19)
- البنوة والإنتماء
- الألفة مع الكنيسة والوعى بها
- الفخر بأصالة كنيستنا ونقاء تعاليمها
- الفخر بهذه العائلة: نحن فخورون بهذه العائلة الضخمة المقدسة من آبائنا القديسين التي تضم أطفالاً، وكبارًا، ورجالاً، ونساءً، وشباب من شهداء، ورهبان، وقديسين، وكهنة، وعلمانيين
- العمل الجماعى بروح الفريق
- المساندة وحياة الشركة (جسد واحد وأعضاء كثيرين)

صداقة القديسين :
تطبيق عملى حقيقى مُعاش .. أمثلة :
- طوبيا والملاك
- القديس باسيليوس وأبو سيفين
- البابا كيرلس ومارمينا .. إلخ.

ثانياً : الإفخارستيا محور الإحتفال

المسيح محور الإحتفال :
«اَلَّذِي يَسْمَعُ مِنْكُمْ يَسْمَعُ مِنِّي وَالَّذِي يُرْذِلُكُمْ يُرْذِلُنِي وَالَّذِي يُرْذِلُنِي يُرْذِلُ الَّذِي أَرْسَلَنِي» (لو10: 16)
الله نفسه مُمجد في قديسيه.. "متى جاء ليتمجد في قديسيه ويُتعجب منه" (2تس1: 10). لذلك فحينما نُمجد القديسين فإنما نحن نُمجد الله فيهم.
وقد أعطاهم الله مجدًا يفوق الوصف "وأنا قد أعطيتهم المجد الذي أعطيتني، ليكونوا واحدًا كما أننا نحن واحد" (يو17: 22)
واعتبرهم نظيره "من يقبلكم يقبلني، ومن يقبلني يقبل الذي أرسلني" (مت10: 40)
فنحن في إكرامنا للقديسين نسير على خُطَى الرب ووصاياه، كما أننا في الحقيقة نُكرِم بذلك مَن أرسلهم ونُمجِّد مصدر صلاحهم وقداستهم، وهو الله.

القداس والإفخارستيا أساس الإحتفال:
وفيما تكرِّمهم الكنيسة تُكرم الله. فالاحتفاء بعيد القديس (أو القديسة) لا يتم إلاّ من خلال القداس، فهذا القديس لا يُكرَم وحده بعيداً عن سيده، وإنما في ظل تمجيد سيده المسيح وتذكار صليبه وموته وقيامته في صلوات الإفخارستيا، والذى بواسطتهم إستحق القديس هذا التكريم .

ثالثاً : مكانة القديسين فى الكنيسة القبطية

أسباب تكريم القديسين:
+ لأنهم صاروا لنا كأنوار كاشفة، وعلامات للطريق.
+ نكرمهم حسب وصية الكتاب : "اذكروا مُرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم فتَمثَّلوا بإيمانهم" (عب13: 7)
+ ونحن نكرّمهم لأن الله نفسه يُكرمهم.. "فإني أُكرم الذين يُكرمونني، والذين يحتقرونني يصغُرون" (1صم2: 30)
+ وسوف يأتي السيد المسيح في مجيئه الثاني مع جماعة القديسين "في مجيء ربنا يسوع المسيح مع جميع قديسيه" (1تس3: 13)، "هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه" (يه14).
+ بل وسوف يشتركون في دينونة العالم "ألستم تعلمون أن القديسين سيدينون العالم؟" (1كو6: 2)، "متى جلس ابن الإنسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضًا على اثنى عشر كرسيًا تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر" (مت19: 28).
+ والقديسون هم الذين عرّفونا مشيئة الله "التي تكلم عنها الله بفم جميع أنبيائه القديسين منذ الدهر" (أع3: 21)، "كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر" (لو1: 70)
+ وسوف نتشارك معهم في المجد الأبدي.. "شاكرين الآب الذي أهلنا لشركة ميراث القديسين في النور" (كو1: 12)

     "أما قديسو العلي فيأخذون المملكة ويمتلكون المملكة إلى الأبد وإلى أبد الآبدين" (دا 7: 18)
+ والقديسون معنا في شركة عضوية جسد المسيح، وهذه العضوية لا تنتهي بانفصال الروح عن الجسد، بل بالعكس تستمر وتتأصل إلى الأبد
..

نحن أغنياء بجماعة القديسين، وصلواتهم عنا في كل حين..  شفاعتهم المقدسة تكون معنا آمين.

مظاهر تكريم القديسين:
فى أعياد السنة الطقسية:
+ كتاب السنكسار يُسجِّل لكل يوم من أيام السنة حياة قدِّيسي الكنيسة وآبائها، خاصةً الذين قدَّموا حياتهم على مذبح الاستشهاد.
+ وهناك ألحان كثيرة لمثل هذه المناسبات ضمن صلوات القدَّاس تتغنَّى بحياة القديس أو الشهيد، وخاصة ما يتعلَّق بالعذراء، ولكن كلمات اللحن تقترن أيضاً بتمجيد الله وتسبيحه. وعندما يُقام ”تمجيد“ للقديس في عيده فهو في حقيقته تمجيد لله الذي أفاض نعمته على هذا القديس وساند جهاده ، فظل أميناً حتى النهاية وأكمل سعيه بسلام.

فى قراءات كتابية مناسبة لكل إحتفال وعيد: فى القطمارس الدوار (الخاص بأيام السنة) توجد (خمس وخمسون قراءة) وبقية أيام السنة موزعة عليها، بحيث تقرأ:
+ قراءات (22 طوبة) نياحة القديس أنطونيوس، تقرأ فى الأيام الاخرى التى نحتفل فيها بآباء الرهبنة
+ قراءات (8 توت) نياحة موسى النبى تقرأ فى أعياد نياحة الأنبياء مثل أشعياء ودانيال وهوشع...
+ قراءات (29 هاتور) نياحة البابا بطرس خاتم الشهداء تقرأ فى أعياد نياحة الباباوات البطاركة الأقباط الآخرين
+ قراءات عيد نياحة البابا يوحنا ذهبى الفم فتقرأ فى أعياد نياحة البطاركة العموميون (روما والقسطنطينية والأرمن.. إلخ)
+ قراءات عيد نياحة القديسات: هلبيس وبستي وأغابي وصوفيا وثاؤبستا تقرأ فى أعياد نياحة العذاري القديسات
+ وهكذا الشهداء تقرأ لهم الفصول الخاصة بالاضطهاد والاستشهاد "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد..." إلخ.
+ وبعدما يُقرأ فصل من الابركسيس (أعمال الرسل) وهو السفر الذي يحكي تاريخ الكنيسة والذي ما يزال مفتوحاً (السفر الوحيد الذي لم يُختم) يأتى بعد ذلك السنكسار (تذكار اليوم) وهو سير الآباء، حيث تؤكد الكنيسة من خلالها أن هناك كثيرين جاءت حياتهم كترجمة للوصية وإنجيلاً معاشاً وأن السنكسار أيضاً ما زال مفتوحاً.

فى إكرام الرفات المقدسة:
- تاريخ إكرام رفات القديسين
- بناء الكنائس على رفاتهم
-
دورة تمجيد القديسين (الزفة)
- تطييب
رفات القديسين
- تقديم أيادى بخور

فى الصلوات الليتورجية:
1. في ليتورجيا الصلوات والتسبيح:
تسبحة الكنيسة السنوية والكيهكية تذخر بطلب شفاعات القديسين وصلواتهم (الثيئوطوكيات - الخاصة بالعذراء - ومجمع القديسين) وتمجيدهم، مُرافقاً لتسبيح الله وتمجيده (الذكصولوجيات والهوسات والإبصاليات) والتغنِّي بالمزامير والأحداث التي ساند فيها الرب قديسيه مثل: عبور الإسرائيليين البحر الأحمر بقيادة النبي موسى، وإنقاذ الرب للفتية الثلاثة من أتون النار؛ وهذا كله في قالب غنائي يضم مجموعة من الألحان الرائعة التي ظلت حية في أفواه القديسين على مدى القرون يرفع المشاعر بل والكيان كله لله.

2. في ليتورجيا القداس:
في القداس الإلهي تتحقَّق أسمى درجات عبادة المؤمنين وأقدسها حيث تجتمع الكنيسة حول المسيح الذي يُقدِّم جسده ودمه بيد خادمه الكاهن وبحضور الملائكة والجمهور غير المنظور من قديسيه المنتصرين.
وخلال الصلوات يـُذكَر القديسـون بـاعتبارهم حاضرين في الكنيسة كأحياء مع الملائكـة القائمين حـول المذبح والذيــن يحملون صلوات العابديـن مع البخور إلى العرش السماوي ... فهناك لحن الهيتينيات الذي يطلب شفاعة العذراء والملائكة والمعمدان ، وصلوات الرسل والشهداء وقدِّيسي اليوم ، ولحن طاي شوري ، وشيري ماريا ، وآكسيا (مستحقة... للقديسة) وآكسيوس (مستحق... للقديس)، ومجمع القديسين ... وهكذا، فالكنيسة هنا أيضاً تذكر وتتشفَّع بالقديسين المنتقلين، ولكن في ختام المجمع (في القداس الكيرلسي) تُعقِّب مستدركة باتضاع على لسان الكاهن: ”إننا يا سيدنا لسنا أهلاً أن نتشفع في طوباوية أولئك القديسين، بل هم قيامٌ أمام منبر (عرش) ابنك الوحيد، ليكونوا هم عِوَضاً عنا يتشفعون في ضعفنا ومسكنتنا. كُن غافراً لآثامنا من أجل طلباتهم عنا ومن أجل اسمك القدوس المبارك الذي دُعِيَ علينا“. والشعب بعد ذلك يهتف: ”بركتهم المقدسة فلتكن معنا آمين...“، ولكنه أيضاً يطلب لهم الراحة: ”يا رب نيِّحهم آمين“. فالكنيسة والقديسون، إذن، يتبادلون الشفاعة عن بعضهم البعض أمام الابن الوحيد حامل خطايا الجميع (1يو 2: 1).

والعلاَّمة أوريجانوس يقول: ”إن الطوباويين الذين رحلوا يحضرون بالروح في اجتماعات الكنيسة... بل ربما أكثر مما كانوا بالجسد. فلا يليق أن نستخف بصلواتهم“.

وقصص ظهور القديسين للأتقياء أثناء الليتورجيا، قديماً وحديثاً، متداولة كثيراً. (أبونا ميخائيل إبراهيم أثناء صلاة المجمع)

فى الإقتداء بنهاية سيرتهم وإيمانهم:
"اُذْكُرُوا مُرْشِدِيكُمُ الَّذِينَ كَلَّمُوكُمْ بِكَلِمَةِ اللهِ. انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ" (عب13: 7)

فى الأيقونات الكنسية:
1. مفهوم الأيقونة :
أيقونة كلمة يونانية Ikon ومعناها صورة ,رسم, شبه...
الأيقونات هي صور القديسين، ويُشبِّهها البعض بالنجوم التي تزيِّن السماء، أو لوحة الشرف لأوائل الناجحين في جهاد الإيمان
هم كبار عائلة المسيح، أقاربنا الذين انتقلوا إلى المجد وظلوا أحياء وإن ماتوا بالجسد.
الأيقونة ليست لوحة جامدة – رغم تكوينه من مادة جامدة – بل هي تعليم حي شامل, تعليم إلهي.
الأيقونة هي معجم لاهوتي يحوي بداخله كل التعاليم التي يمكن من خلالها أن نتعلم العبادة والصلاة والعقيدة.
الأيقونة تنقل المؤمن عبر لحظات قليلة إلى زمن بعيد. "الأيقونة نافذة على الأبدية" وهذا معناه أنها تضعنا أمام الشخص المرسوم وتدخلنا في حوار معه, فالأيقونة الكنسية لا ترسم شخصاً عادياً (كالفوتوغرافيا) ولكنها ترسم "الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق" (أف 24:4) .
لهذا ننير الشمعة أمام الأيقونة لنعبِّر عن حياة القديس التى كانت نور للعالم وذابت فى برية هذا العالم شهادة لمجد الله
الأيقونة من العناصر الأساسية في العبادة لأنها تنقل لنا البشارة التي أعلنها لنا الله .. "الأيقونة كتاب مقدس ملون"
إن إكرام الأيقونات فى كنيستنا الأرثوذكسية يستند إلى أهم عقيدة نؤمن بها ، ولها أثر مباشر فى قضية خلاصنا ، وهى عقيدة تجسد الله وحضوره الحقيقى بيننا . "الله بعدما كلم الآباء بالأنبياء قديماً بأنواع وطرق كثيرة . كلمنا فى هذه الأيام الأخيرة فى ابنه .. الذى وهو بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمته قدرته" (عب 1:1-3)
ففى العهد القديم تعامل الله مع الناس بواسطة أفعال إلهية وعن طريق أفواه الأنبياء ، أما فى العهد الجديد فقد تجسد كلمة الله "وحل بيننا ورأينا مجده" (يو 14:1) .. أى أن الآب نفسه ظهر للبشر بشخص الابن "أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفنى يا فيلبس ؟! الذى رأنى فقد رأى الآب" (يو 9:14) ، لقد تغير الوضع بسبب التجسد :

1- التجسد قدس المادة وأعاد إليها بهاءها الأول وإمكانية اتحاد الله بالإنسان وتجليه فى المادة .
2- صار الله حاضراً فينا ورأيناه وتلامسنا معه فلم يعد قريباً لذهن الإنسان أن يتخيل الله فى شكل وثن كما حدث قديماً بسبب احتجاب الله
3- ترقت البشرية وصار الله يعاملها كالبنين الناضجين "سمعتم أن قيل للقدماء .. أما أنا فأقول لكم ..." فلم تعد هناك رعب من انحراف العبادة إلى الأوثان .
4- الله بتجسده قد جدد طبيعتنا الساقطة الفاسدة وجعلنا مشابهة صورته "لأن الذين سبق نعرفهم سبق نعينهم ليكونوا مشبها ينه صورة ابنه ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين" (رو 29:8) ، "الذى سينير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده" (فى 21:3) ، لذلك صار فى إمكاننا أن نعاين الصورة الأصلية للإنسان التى قصدها الله فى أدم ... نراها فى أولئك الذين جددهم المسيح بتجسده وحفظوا بطهارتهم نقاوة الصورة فلبسوا "صورة السماوى" (1كو 49:15) ، "ونحن جميعاً ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما فى مرأة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (2كو 18:3) .

لذلك أمكننا أن نرسم أيقونة للمسيح "الذى هو صورة الله" (2كو 4:4) كفلاحة منظورة لحضور الله غير المنظور لأن المسيح هو "صورة الله غير المنظور (كو15:1)
وتأكيد لهذا الحضور الإلهى وتنبيه للذهن إلى أصل الصورة أى المسيح نفسه .

وفي هـذا الصدد، فالذين يُحرِّمون سواء الأيقونات أو تمثيل أدوار الأنبياء يغفلون حقيقة أن الرب والأنبياء والقديسين عاشوا بالفعل على أرضنا يوماً، وشاهدهم وعاشرهم وجالسهم الآلاف. فما الفرق، إذن، أن نراهم سواء فى أيقونة أو على الشاشتين خاصة أن الفيلم يُبرز حياتهم المضيئة، ويستدعيهم من الماضي ليكونوا حاضراً يُعلِّم ويُلهم ويُنهض ويُشدِّد الإيمان! أَلاَ تُبرر هذه الغاية النبيلة تجسيد حياة الرب وقديسيه حتى وإن كان مَن يمثلونها بشراً مثلنا تحت الآلام والضعف؟

[لا يمكن رسم الله الذي لا يدرك, وغير المحدود, أما الآن وقد ظهر الله بالجسد وعاش بين البشر, فأنا أرسم المسيح كلمة الله الذي تراه العين فأنا لا أعبد المادة بل خالق المادة الذي صار جسداً محسوساً مادياً لأجلي] القديس يوحنا الدمشقي

[من حيث أنه ولد من الآب غير القابل للوصف, فلا يمكن أن يكون للإبن الكلمة صور, أما من حيث انه ولد من أم عذراء, قابلة للوصف, فله صور تطابق صورة أمه قابلة الوصف] القديس ثيودوروس

وبالطبع ليس في استخدام الصور والأيقونات في الكنيسة كسراً للوصية الأولى من الوصايا العشر «لا تسجد لهن ولا تعبدهن» (خر 20: 5) في وجود مجتمعات محيطة كانت تعبد الأصنام. لكن الصورة في الكنيسة لم تكن ولن تكون للعبادة. ولمس الصور وتقبيلها هو لأنها مُكرَّسة بالميرون الذي يحتوي جانباً من حنوط التكفين، أو للبركة، أو تعبيراً عن الحب.

+ أننا عندما نرسم المسيح نفعل ذلك لا لكي نرسم صورة فقط بل لكي نرسم ذواتنا من خلاله.
+ إننا نكرم المسيح والقديسين لذلك فنحن لا نكرم المادة (الخشب - الحجارة) بل الكائن المرسوم فيها.
+ إن المواد في المسيحية لها معنى ولها رموز وتفيد في تقرُّبنا من الله الحيّ.
+ نحن لا نخلط بين الصورة والأصل ولا نعبد الخشب والألوان والأوراق التى تكون الصورة بل نعبد الله الحى وحده ونكرم أيقونته .

2. طقس الأيقونة :

وقد صارت الأيقونات جزءاً من التقليد الكنسي منذ القرن الرابع، وهي تُرشم بالميرون باعتبارها مُكرَّسة لخدمة الأقداس، وتحتل موقعها على حجاب الكنيسة وجدرانها تجسيداً لحضور القديسين الدائم في الكنيسة، وهم يحيطون بالرب الجالس على عرش مجده في حضن الآب في الهيكل وحوله الملائكة والأربعة وعشرون كاهناً. إن الكنيسة قد احتجزت لهؤلاء الصف الأمامي (حامل الأيقونات) لحضورهم على الدوام. وهم ينظرون للغرب لأنهم لم يعودوا ينتظرون المسيح الآتي مثلنا لأنهم معه كل حين، ووجوههم نحونا كي يُعزونا ويتقبَّلوا توسلاتنا وصلواتنا.. وآتين من الشرق مع المسيح كما فى مجده ومجد أبيه فى المجئ الثانى . وفي أعياد القديسين توضع أيقونة القديس على يمين الهيكل لتوجيه الأنظار على احتفال الكنيسة بعيده وأيضاً إلى سيرته تمثُّلاً بوصية الكتاب: «انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثَّلوا بإيمانهم» (عب 13: 7).

وهكذا يصبح حجاب الكنيسة وجدرانها كتاباً مفتوحاً يحكي قصة الخلاص .

لقد صارت الأيقونة بعد تدشينها أداة مقدسة لإعلان حضور الله بفعل الروح القدس ؛ لذلك وجب تكريمها والتبخير أمامها وتقبيلها بكل وقار . لذلك تعتبر الكنيسة أن تدشين الأيقونة هو مباركة وتمجيد لاسم الله القدوس ... إذ عندما يلتفت المؤمنون إلى كرامة القديسين ومجدهم ترتفع أنظارهم إلى السماء ليمجدوا اسم الله ويباركوه .

لك المجد فى جميع القديسين يا الله .